اندلع القتال العنيف مؤخراً في شيرارينا قرب الحدود السودانية في الأول من أغسطس، في واحدة من أخطر الخروقات لاتفاق بريتوريا المبرم عام 2022. واشتَبكت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية مع وحدات من جبهة تحرير شعب تيغراي، من بينها التشكيل المعروف باسم «الجيش 70». وكان «الجيش 70» قد عمل لفترة طويلة ضمن حملات القوات المسلحة السودانية ضد قوات الدعم السريع في دور شبه مرتزق، قبل أن يعبر، وفقاً للتقارير، من ملاذه داخل السودان إلى الأراضي الإثيوبية. وهكذا تحولت مواجهة داخلية إثيوبية إلى حادث عابر للحدود، فأدخلت الخرطوم في المعادلة منذ البداية.

 

وبحسب ما كتبه يونس يزبوزيف في مقال نشره موقع هورن ريفيو، فإنه بعد ثلاثة أسابيع، لاحقت القوات المسلحة السودانية قافلة إمدادات تابعة لقوات الدعم السريع واستهدفتها في عمق الأراضي التشادية، بالقرب من المثلث الحدودي بين السودان وليبيا وتشاد. واتهمت السلطات التشادية طائرات سودانية ومسيّرات بانتهاك سيادتها، فيما وصفت الخرطوم العملية بأنها ضرورية لقطع طرق الإمداد التي تنطلق من ليبيا وترتبط في نهاية المطاف بجهات داعمة خارجية. ويجسد هذا الحادث نمطاً إقليمياً أوسع، إذ تولّد الحروب الداخلية بصورة متزايدة ضغوطاً تتجاوز الحدود الوطنية.

 

تعمل صراعات القرن الأفريقي من خلال آليات متداخلة تمتد في الوقت نفسه عبر المستويات الداخلية والإقليمية والدولية. ويكشف ذلك عن ديناميكية لامتداد الصراعات تؤكد عمق الترابط بين الأوضاع الأمنية لدول المنطقة. ورغم أن معظم الصراعات التي شهدها القرن الأفريقي منذ سبعينيات القرن الماضي نشأت أساساً لأسباب داخلية، فإن نمطاً مستمراً من التدخل المتبادل ضاعف حدتها، إذ سعت الحكومات إلى إدارة أزماتها الداخلية عبر دعم حركات تمرد في دول الجوار. وأنتج ذلك منطقاً ذاتياً لاستمرار عدم الاستقرار، إذ يجري دفع الاضطرابات التي تنشأ داخل دولة ما إلى خارج حدودها عمداً، قبل أن تعود في صورة مختلفة لتزعزع الدولة التي صدّرتها.

 

الحدود تتحول إلى بؤر للصراع الإقليمي

 

يشكل امتداد الصراعات عبر الحدود السيادية السمة البنيوية الأبرز للمنطقة. فقد زعزع الصراع المستمر في الصومال استقرار الدول المجاورة مراراً، ولا سيما كينيا وإثيوبيا، فيما امتدت تداعيات الحروب في السودان إلى جنوب السودان وإثيوبيا وما وراءهما. وتتركز معظم مناطق الصراع المسلح وعدم الاستقرار في المنطقة بشكل لافت بالقرب من الحدود، حيث تتقاطع المحركات والمصالح والجهات الفاعلة العابرة للحدود، وحيث تزداد مخاطر التصعيد. ولذلك لا يمكن فصل جغرافيا العنف عن جغرافيا نظام الدول نفسه.

 

وتغيرت طبيعة الصراع في القرن الأفريقي بصورة كبيرة، ولا توجد منطقة خارج الشرق الأوسط أفضل من القرن الأفريقي لدراسة هذا التحول. فقد اتسمت الحروب في المنطقة منذ فترة طويلة بطابع عابر للحدود، إذ تجاوزت حدود الدول عبر التدخلات السرية والعلنية، وترتيبات الوكلاء، والدعم الذي قدمته دول خارجية لجماعات مسلحة محلية. لكن ما تغير هو كثافة هذه الروابط وسيولتها. وأصبحت الجماعات المسلحة غير التابعة للدول تساهم بقوات برية في الصراعات الدائرة في أنحاء المنطقة، سواء باعتبارها جماعات مرتزقة أو نتيجة صفقات سياسية، في ليبيا والسودان وجنوب السودان واليمن، وهو ما يربط صراعات القرن الأفريقي بشبكة أوسع من العنف.

 

وساهم تطوران في تسريع هذا التحول. أولهما التطور المتسارع في تكنولوجيا الحرب، ولا سيما الانتشار الواسع لحرب المسيّرات في أنحاء القرن الأفريقي، ما أتاح للدول دفع العنف إلى أطرافها بتكلفة مالية وسياسية أقل، وخفّض حاجتها إلى نشر قوات برية لفترات طويلة أو إلى التوصل إلى تسويات سياسية مع المناطق الطرفية المضطربة. وثانيهما تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة والمسلحة، التي وجدت في الفراغ الذي خلفته هذه الصراعات بيئة مواتية للتمدد. ففي الصومال، على سبيل المثال، رسّخ تنظيم الدولة الإسلامية موطئ قدم متزايد الأهمية لعملياته العالمية، فيما لا تزال حركة الشباب الجماعة المسلحة غير التابعة للدولة الأكثر هيمنة، وتخوض صراعاً طويل الأمد مع القوات الفيدرالية وميليشيات العشائر المتحالفة معها وقوات الاتحاد الأفريقي، بالتزامن مع توسيع نطاق عملياتها إلى المقاطعات الحدودية في كينيا.

 

التنافس الخليجي يعمّق تشابك أزمات القرن الأفريقي

 

وأصبحت الأهمية الجيوستراتيجية للقرن الأفريقي عاملاً جعله ساحة لتنافس مكثف بين قوى إقليمية وخارجية. وخلال العقدين الماضيين، برزت المنطقة باعتبارها ساحة استراتيجية لدول الخليج الساعية إلى توسيع نفوذها خارج شبه الجزيرة العربية. وبينما تبرر هذه الدول تدخلها باعتبارات تتعلق بالتدخل في الصراعات، يكشف تحليل أكثر نقداً أن توسيع صراعات الهيمنة الإقليمية، والمصالح الاقتصادية والأمنية، والأهداف الاستراتيجية يمثل الدوافع الحقيقية وراء هذا الانخراط. ويرتبط القرن الأفريقي والخليج جغرافياً بعلاقة تقارب شديدة، كما تتداخل أمنياً بدرجة تجعل من الصعب تحليل أو معالجة مخاوف الأمن القومي لأي منهما بمعزل عن الآخر.

 

وأثر هذا التنافس الخليجي في ديناميات الصراع عبر التأثير في الجهات المحلية الفاعلة، وتعميق الانقسامات الداخلية، وتعقيد فرص التوصل إلى تسويات توافقية في الدول الهشة بالمنطقة. وكان التنافس بين السعودية والإمارات العربية المتحدة بالغ التأثير بصورة خاصة، إذ أعاد تشكيل التحالفات السياسية عبر الانخراط العسكري والاستثمارات الاقتصادية. وخارج الخليج، تسهم المنافسة بين الجهات الأمنية الخارجية والإقليمية على موطئ قدم عسكري وسياسي، وتداعيات العنف في اليمن، إلى جانب تنافس إيران وإسرائيل وإسرائيل وتركيا على النفوذ، في تشكيل البيئة الأمنية للقرن الأفريقي.

 

وأدخلت عملية إقليمية السياسةَ في القرن الأفريقي ضمن اضطرابات شبه الجزيرة العربية وما وراءها، وحولت المنطقة إلى ساحة عنيفة تقوم على منطق المحصلة الصفرية بين قوى خارجية متنافسة. ولذلك ازداد دور دول الشرق الأوسط في تقديم الدعم الخارجي لأطراف الصراعات في القرن الأفريقي بدرجة كبيرة، فيما يؤدي انخراط هذه الأطراف إلى زيادة ترابط الصراعات مع تداخل مصالحها وتقاطعها في دول مختلفة بالمنطقة.

 

وتزيد استراتيجية مصر لاحتواء إثيوبيا وتطويقها من هذا الترابط. ويمنح انخراط مصر في الحرب السودانية نقطة ضغط غربية على طول الحدود السودانية الإثيوبية، فيما ينشئ تنامي اصطفافها الجيوسياسي مع إريتريا نقطة ضغط أخرى على الحدود الشمالية لإثيوبيا. وإلى الشرق، يوفر تنامي التعاون العسكري المصري مع الصومال إمكانية الوصول إلى مسرح ثالث على الجبهة الشرقية لإثيوبيا. وتخلق هذه الانخراطات المتداخلة مجتمعة قوساً استراتيجياً أوسع يحيط بإثيوبيا، ويربط بين ساحة المعارك السودانية والموقع العسكري الإريتري والمشهد الأمني في الصومال. وقد يؤدي ذلك بدوره إلى تعزيز الضغوط العسكرية والسياسية المتبادلة في هذه الساحات.

 

السودان محور شبكة الصراعات الممتدة من الساحل إلى البحر الأحمر

 

يعمل السودان حالياً باعتباره محوراً لمجمع صراعات مترابط يربط القرن الأفريقي غرباً بمنطقة الساحل، وشرقاً بتنافس القوى المتوسطة في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر. وعلى أحد جانبي هذا النظام يقف تحالف غير متماسك يضم تركيا والسعودية ومصر وقطر، وقد حشد ثقله لدعم القوات المسلحة السودانية في الخرطوم وحلفائها في إريتريا والصومال، ولا سيما الحكومة الفيدرالية. وتتقاطع هذه العقدة المعقدة من المصالح الخارجية المتنافسة مع توترات قائمة أصلاً في القرن الأفريقي وخارجه وتزيد حدتها، سواء تعلق الأمر بالخلاف الإثيوبي المصري بشأن مياه النيل أو بالديناميات المركزية واللامركزية المتأصلة في الصومال.

 

وساهمت المخاوف من تجدد الصراع في شمال إثيوبيا في وقت سابق من هذا العام جزئياً في إدراك أن احتواء أي حرب من هذا النوع سيكون مستحيلاً، بالنظر إلى حجم المصالح والاستثمارات التي تمتلكها مجموعة واسعة من الدول.

 

وتصاعد اقتصاد الحرب بالتوازي مع هذه الديناميات، فيما سيواصل صراع القوى المتوسطة الأكثر تماسكاً تداخله مع الشبكات الغامضة لاقتصاد البحر الأحمر. وأضافت المراحل المتعاقبة من الحرب الأهلية، والتنافس على السلطة، والتدخل الخارجي، والنزاعات داخل الجماعات الإثنية، إلى العنف وعدم الاستقرار في دول مختلفة من المنطقة.

 

وفي إثيوبيا، تتداخل التوترات في الشمال التي تشمل جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو وغيرها مع العلاقات المتوترة مع إريتريا والقوات المسلحة السودانية. وفي السودان، تغرق حرب تعكس طبيعة الصراعات في المنطقة بأكملها في شبكة من الجهات الفاعلة وتداعيات الامتداد الإقليمي، تمتد من منطقة الساحل إلى البحر الأحمر. وفي الصومال، تتقاطع التوترات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وتمردا حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية، وانخراط العديد من الأطراف الخارجية. كما تنتج التوترات الداخلية في جنوب السودان تداعيات عابرة للحدود بدورها، فيما يزيد سعي مصر إلى مواجهة النفوذ الإثيوبي، عبر توسيع تحركاتها في إريتريا والصومال والانخراط المباشر في الحرب السودانية، من ترابط أي صراع ينشأ في المنطقة.

 

وجعلت الطبيعة المعقدة والديناميكية لمحركات الصراع، إلى جانب انخراط أطراف خارجية متعددة ذات مصالح متنافسة، إدارة الوضع شديدة الصعوبة، سواء بالنسبة إلى دول القرن الأفريقي نفسها أو بالنسبة إلى المنظمات الإقليمية مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد». وأصبح تنسيق مبادرات السلام وبناء التوافق أكثر صعوبة عندما تتعدد الأطراف، ويحمل كل منها مصالح وولاءات مختلفة.

 

وتراجع نشاط مؤسسات الوساطة مثل الاتحاد الأفريقي و«إيجاد» بصورة متزايدة، لتحل محلها أطر بديلة مثل «الرباعية» (QUAD)، التي لا تزال فعاليتها وهيكل عضويتها موضع انتقاد. وبالمقارنة مع العقود السابقة، أصبح الدعم الخارجي للصراعات وتشكيل التحالفات في القرن الأفريقي أكثر تقلباً وسيولة، بالتوازي مع انتقال أساليب إدارة الصراعات من المقاربات متعددة الأطراف والمؤسسية إلى سياسات قائمة على الصفقات والشخصنة، تدعمها ترتيبات غير رسمية على مستوى القيادات.

 

ويكشف القرن الأفريقي عن منطق يمكن التعرف إليه على نطاق واسع، لكنه تحول بفعل حجم الترابط وتشعبه. فقد امتلكت الحركات المسلحة في إريتريا وإثيوبيا والسودان أهدافاً سياسية واضحة في السابق، وكانت أعمال العنف موجهة بصورة أساسية نحو تحقيق تلك الأهداف. أما اليوم، فتعمل هذه الحركات داخل شبكة من المصالح الإقليمية والخارجية التي حولت كل صراع محلي إلى ساحة لصراعات أكبر بين القوى المتنافسة.

 

وتتمثل الخصائص التي تجعل المنطقة نظاماً فرعياً متماسكاً، أي القرب الجغرافي، وانتظام وكثافة التفاعل بين الأطراف الفاعلة، والاعتراف الخارجي بدولها باعتبارها منطقة متميزة، في العوامل نفسها التي تجعل صراعاتها عصية على الحل. ولذلك يشكل ترابط الصراعات في القرن الأفريقي المحدد الأساسي لأمن المنطقة، ولن يتحقق سلام مستدام دون التعامل مع القرن الأفريقي باعتباره منظومة واحدة مترابطة يعزز كل جزء منها الأجزاء الأخرى.



https://hornreview.org/2026/08/27/interconnectedness-of-conflict-in-the-horn-of-africa-and-its-trajectories/